سوريا

السوريون واختراع “ما بعد القلق”



لا يملك السوري رفاهية اللامبالاة، فقد جُرد منها، مثلما خسر وطنه، في ذروة اقترابه من حلم الحرية والكرامة. لا فائدة الآن من إعادة الحديث في سرديته الأثيرة، عن الثورة المغدورة، والأولى به أن يتحقق من قدرته على الصمود والاستمرار، وسط عواصف تطيح بكل مقومات حياته في المنافي، القريبة والبعيدة، بعد ظنه أنها ستكون ملاذًا آمنًا، يغريه بالبقاء، وفك الحقائب، وفرد الحاجيات والأحلام والمشاريع، لتأسيس حياة كريمة لائقة.

السوريون يعيشون أقصى درجات اليقظة بشكل مرضي، لا ينفع معه أي علاج، تجاه أي انتخابات تجري في البلاد التي وصلوا إليها، بعد أن سيطر على وعيهم إلحاح الحيطة والحذر مما سيترتب عليها. فالطمأنينة لم تعد كلمة ذات معنى عند اللاجئين الذين وجدوا أنفسهم مادة صراعية بين قوى متنافسة، تتهدد وجودهم في بياناتها الانتخابية، وفي سياسات بلدياتها، وحتى حين تختلف قوى متحالفة فيما بينها، فإنها تذهب إلى مهاجمتهم، بعد أن أصبحوا مكسر عصا للجميع.

السوري غير المهتم يقع في شر أعماله، إذ يكتشف عاجلًا أم آجلًا أن أمرًا يُدبر له في العتمة، سيحرمه من إمكانية البقاء في هذا البلد أو ذاك.

ولهذا تراهم يبالغون بالاحتفال حين يفوز حزب أو تحالف أو جبهة لم تضع ترحيلهم وإعادتهم إلى المسلخ البشري الأسدي هدفًا لها. فرحهم هذا ليس فيه من الفرح شيء، بل هو كناية عن فوز قصير بنجاة مؤقتة من مصير منصوب فوق رؤوسهم، يغيب في هذه الجهة ويحضر في أخرى، لكنه لا يتلاشى.

السوري غير المهتم يقع في شر أعماله، إذ يكتشف عاجلًا أم آجلًا أن أمرًا يُدبر له في العتمة، سيحرمه من إمكانية البقاء في هذا البلد أو ذاك. ولهذا بات عليه أن يراقب ويمعن التفكير في أي شأن من شؤون البلد الذي يقيم فيه. أي أن شعوره بالقلق لم يعد مرتبطًا بالتنافس الانتخابي، وبالتغيرات في التوجهات السياسية تجاه قضيته الحارة، بل إنه استشرى في أعماقه حتى وصل إلى عتبة يمكن تسميتها بمرحلة “ما بعد القلق”.

كان البدو في بلادنا يرتحلون في أرض الله، يأخذون معهم بيوتهم ودوابهم وذكرياتهم، وجل اهتماماتهم كان يتركز حول حصولهم على مقومات المعيشة لهم وللقطعان التي تساعدهم على الاستمرار، أي الكلأ والماء. لكن السوري، وهو يتحول إلى بدوي عالمي رغماً عنه، بناءً على إلحاح العنصريين والشعبويين والبراغماتيين والمنافقين والانتهازيين، الذين حولوه وقضيته إلى بضاعة تُباع وتُشترى، لن يتمكن من التجوال بحرية في مشارق الأرض ومغاربها، بل إن السياسات الراهنة تذهب صوب تقييده وجعله جاهزًا للعرض في سوق النخاسة الدولي.

وبنظرة مقارنة، تصبح تلك الأقوام المرتحلة عبر الحدود، كالغجر، والنور، والقرباط وغيرهم، أفضل حالًا منه. فهي تمضي بلا قيود، بينما يقع أبناء جلدته في وسط الدائرة، ترصدهم العيون المستريبة، ويعلقون بالأسلاك الشائكة عند الحدود الفاصلة بين قارات البؤس وجزر الإنسانية المتضائلة. فتدقق في أوراقهم كل رجالات الأمن وشرطة الهجرة والجمارك، فهم موصومون.

لم تكن حالة السوريين استثنائية حين ثاروا ضد النظام الإجرامي البهيمي. كانوا نسخة مكررة عن شعوب أخرى سبقتهم، لا بل إن ثورة عام 2011 كانت تستمد روحها من جماليات كل الثورات الكبرى.

لقد ثاروا ذات يوم، وفشلوا في جولة الحرية، لكنهم لم يرضخوا، وغادروا تاركين كل شيء وراءهم في سوريا المريضة بوباء الأسديين. لقد مضوا عنها زرافات ووحدانًا، أي أن حالتهم لم تعد مؤطرة في حيز اللجوء وحده، بل أمست تُنسب إلى كل أنواع الرحيل. فهل مرت في التاريخ المعاصر حكاية مجتمع يحزم بكامله، رغماً عنه، حقائبه ويرحل؟

لم تكن حالة السوريين استثنائية حين ثاروا ضد النظام الإجرامي البهيمي. كانوا نسخة مكررة عن شعوب أخرى سبقتهم، لا بل إن ثورة عام 2011 كانت تستمد روحها من جماليات كل الثورات الكبرى. لكن العقاب الذي نزل بهم على فعلتهم أكثر من استثنائي. إنه الأذى القاتم المنقى من كل احتمالات النجاة.

غير أن لكل حادث حديث، وحديث الحاضر هو ألا يجعل السوريون مصيرهم عقوبة، بل البحث في تضاعيف كل ألم يعيشونه عن نافذة، يطلقون عبرها إلى الفضاء الرحب أصواتهم وحكاياتهم، عذاباتهم ومسراتهم. ففي حالة “ما بعد القلق”، لن يكون بالإمكان الرضوخ إلى نزعات ونيات الآخرين، بل يصبح من الواجب جعل هؤلاء يستسلمون لإرادة الضحايا. وبعد خسارة كل شيء، ووراء عدم امتلاك شيء، تأتي المرء طاقة عجيبة تجعله يغامر نحو المستحيل. ولا شيء مستحيل أمام الجيل الجديد من أبناء المنفيين. وكما فعل الأسلاف حين ذهبوا بعيدًا في الأميركيتين خلال القرنين الماضيين، وصنعوا هناك حيوات جديدة، لأجيال صارت جزءًا من تكوين تلك البلاد وفئة من مؤسسيها. تأتي الأخبار دائمًا عن شباب سوريين يوسعون حيز وجودهم وإنجازاتهم، يعرفون قصة بلدهم، ويدركون أن الزمن الذي يضرم النيران في أحوالهم، هو أقسى ما مر على أهلهم، لكنهم لا يبالون به، فهم قادرون على تجاوزه بعد أن أكملوا دروس ما بعد القلق، حتى صارت من منسياتهم.

 

شارك هذا المقال



Source link

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى