سوريا

السمات “المافيوزية” للدولة السورية



إذا كانت المافيا بتعريفها المختصر والمتداول هي الجهة التي تُمارس الجريمة المنظمة وتعيش خارج القانون، وتتحداه، فإنها تحاول أولاً أن تتغلغل في الدولة وتسيطر على قرارها، وتستعمل من أجل ذلك واجهات ومسميات كثيرة: ثورية، أو وطنية، أو قومية، أو ديمقراطية.

في معظم الحالات المعروفة، نشأت المافيا من خارج الدولة ثم استولت عليها. لكن سوريا تشذ عن هذه القاعدة، إذ نشأت المافيا من داخل السلطة أولاً، ثم استولت على الدولة لاحقاً. وبالتالي، فإن معادلة القوة التي يحتاجها صراع المافيا مع الدولة قبل سيطرتها عليها لم تقم في سوريا. بل إن الصراع نشأ لاحقاً بين الدولة التي سيطرت عليها المافيا وبين الشعب المتضرر من هيمنتها وسطوتها.

أهم ما يميز المافيا هو انتهاجها لسياسة العنف الشديد ضد خصومها الكثر: مافيات منافسة، رجال قانون، الشرطة، السياسيين، المثقفين، وغير ذلك. لكن هذا لا ينفي استعمالها لأساليب أخرى في محاولتها السيطرة على الدولة، كالإغراء المادي أو توريط الخصوم بفضائح مالية، أو سياسية، أو جنسية، ثم ابتزازهم بها. في كل الأحوال، تسعى المافيا من أجل استمرارها وأمنها إلى أن تكون جزءاً من النظام أو النظام كله، ومن ثم تكون هي الدولة.

عرف التاريخ في قديمه وحديثه أمثلة كثيرة عن دول “مافيوزية”، ولعل إيطاليا أكثرها شهرة. ورغم أن الأمر وصل فيها إلى اتهام رئيس وزرائها “أندريوتي” بعلاقته بالمافيا وتمت محاكمته، إلا أن المافيا الإيطالية لم تتمكن من إسقاط الدولة تماماً تحت قبضتها. ونشبت حرب شرسة بين الدولة والمافيا انتهت بانتصار الدولة مؤخراً، وإن كانت المافيا لا تزال تطل بين الفينة والأخرى عبر سلوك لسياسيين أو عبر ممارسات محدودة.

قد يُعارض كثيرون اليوم وصف بعض الدول بأنها دول مافيوزية، مستندين في ذلك إلى مقولات كبيرة، كالصراع العالمي والقطبية فيه، وإلى الشعارات الكبرى التي تطرحها هذه الدول حول التحرير والظلم. ولعل روسيا إحدى أهم الدول التي قد يُختلف حولها في هذا الخصوص. فما فعله الرئيس بوتين بعد وصوله إلى السلطة عزز إلى حد كبير توصيف الدولة الروسية بـ”المافيوزية”، إذ قام بتجميع بقايا جهاز الاستخبارات السوفييتي المعروف بالـ(ك ج ب) حوله، ووضع واجهة ديمقراطية شكلية تُغلِّف ديكتاتورية قبضت بشدة على المجتمع والدولة، وأنشأ تحالفاً قوياً مع أفراد المافيا التي انتشرت بعد سقوط الاتحاد السوفييتي. وهكذا نشأت دولة ديكتاتورية قوية عسكرياً، تملك عدداً هائلاً من الرؤوس النووية، ذات اقتصاد ريعي (غاز وبترول ومنتجات زراعية)، ويُشكِّل رؤساء المافيات عصب العملية الاقتصادية فيها.

لم تظهر المافيا السورية بكل هذه القوة والقدرة خلال فترة حكم حافظ الأسد، فقد استطاع أن يتحكم بعملية النهب، وأخضع كل الناهبين وزعماء المافيات الصغيرة لسيطرته

ثمة دول كثيرة أخرى تتداخل فيها المافيا مع السلطة التي تتحكم بالدولة بطريقة أو بأخرى، لكن المهم في هذا التداخل هو حجمه، ومدى قدرة المافيات على التأثير في الدولة وصناعة القرار فيها. في سوريا، بات واضحاً للجميع مدى استئساد المافيا على المجتمع والدولة والقانون. هذا الاستئساد لم يكن ليكون لولا أن أضعفت عائلة الأسد الدولة، وجعلتها عاجزة عن لعب أي دور خارج إرادتها، وقامت بتعميم الفساد عبر تشكيل عصابات للنهب والسرقة مدارة من قبلها، وأتبعت ذلك بإرهاب المجتمع.

لم تظهر المافيا السورية بكل هذه القوة والقدرة خلال فترة حكم حافظ الأسد، فقد استطاع أن يتحكم بعملية النهب، وأخضع كل الناهبين وزعماء المافيات الصغيرة لسيطرته، محافظاً بذلك على قوة العائلة، وعلى قدرتها على إخضاع الدولة والمجتمع والمافيات، كمقدمة لا بد منها لتوريث السلطة. بموته غاب رأس منظومة الفساد وبقي جسدها، وهكذا انتقلت سوريا إلى مسار جديد في تمدد ونفوذ هذه المافيا.

تتجه النظم الاستبدادية ذات الطابع “المافيوزي” دائماً للتركيز على صيغ سياسية مؤدلجة، وتمتهن الخطاب الشعبوي المتخم بشعارات لها حضورها في ذاكرة ووجدان مجتمعها. وهي غالباً – الأنظمة – لا إيديولوجيا لها ولا مشاريع لصالح المجتمع، وكل ما تسعى إليه هو توطيد سلطة الحاكم وتكديس الثروات الشخصية بأي طريقة. وغالباً ما تتخذ القرارات في الدولة “المافيوزية” من خلال أشخاص غير رسميين، أو بآليات خاصة غير رسمية، وتطلب من الجهات الرسمية اعتمادها. كل القرارات التي يتخذها “بشار الأسد”، وقبله والده، تُقرّ في الحلقة الضيقة للعائلة، أو بالاتفاق مع المافيات ومع حلفاء داخليين أو خارجيين، ثم تُحال القرارات لمجلس الشعب أو الحكومة ليُقرّها من دون أي تعديل أو نقاش.

كل ما تعيشه سوريا من وقائع، وما وصلت إليه أحوال المجتمع والدولة، هو نتائج طبيعية وحتمية للدولة “المافيوزية”. وعندما تصل هذه الدولة إلى مأزق يصعب الخروج منه، تنهار الصيغة الهشة المتبقية من الدولة، وتبدأ أطراف المافيا المسيطرة بالصراع فيما بينها، ومن يفوز في صراع المافيا هذا، فإن أول ما يفعله هو تصفية أطراف المافيا الخاسرين، ثم يعيد إنتاج سيطرته بطريقة جديدة، تأخذ بعين الاعتبار التجربة السابقة وعثراتها وأخطائها، وتعيد صياغة تحالفاتها الداخلية والخارجية.

ليس أمام السوريين طريق آخر، فإما أن يتصدوا للمافيا التي تحكمت بهم لعقود طويلة، أو أن تزجهم هذه المافيا، بعد تجديد نفسها، في دوامة أخرى من الفشل قد تبتلعهم لعقود طويلة.

لعل الخطر الأكبر الذي يتهدد أي مجتمع هو تمكن المافيا من تجديد نفسها بصيغة جديدة، خصوصاً إذا كان المجتمع في أضعف حالاته السياسية والاقتصادية. ففي هذه الحالة، تبقى المافيا رغم خسارتها لقسم منها الطرف الأقوى، هي التي تمتلك المال، وهي التي تتحكم بالدولة، وبالتالي هي الأقدر على إدارتها. وإذا لم تتمكن قوى المجتمع – على ضعفها- من لجم هذه المافيا واستعادة الدولة ولو بالحد الأدنى، فإن الدولة ستذهب إلى التلاشي، وستكون تحالفات المافيا الحاكمة مع الخارج هي الفصل في مآل الدولة، وليس المجتمع وقواه ومصالحه.

يمكن لقراءة تجربة الدول الشيوعية التي انهارت في العقد الأخير من القرن الماضي أن تُقدّم لنا نموذجاً واضحاً لمآل الدولة “الاستبدادية/ المافيوزية”. ففي العديد من هذه الدول، ظلت الأنظمة القديمة بصيغتها القائمة على الفساد والنهب حيّة، رغم ابتعادها عن الواجهة، لكنها اتخذت أشكالاً جديدة. ما توقعته قوى وأحزاب من انهيار حتمي للصيغة “الاستبدادية/ المافيوزية”، أثبتت الوقائع أنه كان خاطئاً. ها هي بقايا الاستبداد القديم لا تزال تعيق انتقال هذه المجتمعات إلى الصيغة الديمقراطية التي هي شرط أساسي لتعافي الدولة.

ليس أمام السوريين طريق آخر، فإما أن يتصدوا للمافيا التي تحكمت بهم لعقود طويلة، أو أن تزجهم هذه المافيا، بعد تجديد نفسها، في دوامة أخرى من الفشل قد تبتلعهم لعقود طويلة.

 

شارك هذا المقال



Source link

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى